الخطيب الشربيني

511

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ولا يتغايرن وقيل : أتراب للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك يقتضي عدم الغيرة . وقرأ قوله تعالى : هذا ما يوعدون ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالفوقية على الخطاب ، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين ، ووجه الخطاب الالتفات إليهم والإقبال عليهم أي : قل للمتقين هذا ما توعدون لِيَوْمِ الْحِسابِ أي : في يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء . إِنَّ هذا أي : المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أي : انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب . تنبيه : من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا أي : غير نافد ويجوز أن يكون خبرا ثانيا لأن أي : دائم . ولما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكورا عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى : هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ أي : مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى : وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ ص : 49 ] والمراد بالطاغين الكفار ، وقال الجبائي : على مذهبه الفاسد هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفارا أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر ، واحتج هو بقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [ العلق : 6 - 7 ] فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر أيضا . تنبيه : هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي : كما ذكر ، كما قدره الزمخشري ، وقدره أبو علي بقوله : هذا للمؤمنين ، وقال الجلال المحلي : هذا المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي : الأمر هذا . وقوله تعالى : جَهَنَّمَ أي : الشديدة الاضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم فيه إعراب جنات المتقدم ، وقوله تعالى : يَصْلَوْنَها أي : يدخلونها فيباشرون شدائدها حال من جهنم فَبِئْسَ الْمِهادُ أي : المهد والفراش مستعار من فرش النائم ، وهذا معنى قوله تعالى لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم ، والمخصوص بالذم محذوف أي : هي . وفي قوله تعالى : هذا أي : العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب : أحدها : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : الأمر هذا ، ثم استأنف أمرا فقال : فَلْيَذُوقُوهُ ثانيها : أنه مبتدأ أو خبره حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله تعالى : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] أو يكون المعنى : هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى : فَلْيَذُوقُوهُ جملة اعتراضية . ثالثها : أنه مبتدأ والخبر محذوف أي : هذا كما ذكر وهذا للطاغين وقيل غير ذلك ، وقيل : هذا على التقديم والتأخير والتقدير : هذا حميم وغساق فليذوقوه وقيل التقدير : جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدئ فيقول : حميم وغساق أي : منه حميم وغساق ، والحميم : الحار الذي انتهى حره ، والغساق : ما يسيل من صديد أهل النار ، وقال كعب : هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب ، وقال أبو عمرو : هو القيح الذي يسيل من أهل النار